|
الذكرى الخامسة والتسعين للإبادة الأرمنية
هراج كل سحاكيان
بعد سنة واحدة تماماً من إعلان خارطة طريق لتطبيع العلاقات الأرمنية التركية والتي سميت فيما بعد دبلوماسية كرة القدم، اتضح لدى الجانب الأرمني بأن الخارطة المذكورة غير مجدية وأن البروتوكولين الموقعين تحت المظلة الدولية في أكتوبر 2009 تم استخدامهما من قبل تركيا من أجل كسب الوقت وتشتيت جهود الاعتراف الدولي بالإبادة الأرمنية وممارسة الضغط على أرمينيا في قضية كاراباغ على حساب أذربيجان.
وكانت تركيا تأمل أن تتجاوز عقبة 24 أبريل هذه السنة محاولة تمرير نفسها أمام الرأي العام العالمي وكأنها في سعي حثيث نحو تطبيع العلاقات مع أرمينيا. ولكن يبدو أن الدبلوماسية التركية في هذه الصدد لم تقنع إلا القلة. فأمام تركيا مشوار طويل لتحقيق "صفر مشاكل" مع دول الجوار.
لم تكن دولة مثل تركيا، تعتبر نفسها مؤهلة لعضوية الاتحاد الأوروبي، لتحتمل قائداً يقوم علانية بتهديد المهاجرين الأجانب على أراضيها. ولكن يبدو أن رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان لا يعتبر تهديداته غير متوافقة مع المعايير الأوروبية وبدل أن يعتذر فإنه بادر إلى توضيح كلامه قائلاً بأن تهديداته تلك موجهة لحاملي الجنسية الأرمنية ولا تشمل الأرمن من رعايا تركيا والذين سيعفون عن الترحيل.
حاولت الدبلوماسية التركية في الأشهر القليلة الماضية أن تظهر للحكومة الأرمنية وللعالم بأن أرمن الشتات هم "الأشرار"، وقامت بتحذير أرمينيا بعدم السير وراء أرمن الشتات، كما اتهمت أرمن الشتات بأنهم يجرون أرمينيا إلى طريق جيوسياسي مسدود. وما البديل الذي طرحه الأتراك أمام حكومة وشعب أرمينيا؟ أنسوا الإبادة، انسوا كاراباغ وانسوا أرمن الشتات، وسنكون مرة ثانية أصدقاء لكم إلى الأبد كما كنا في السابق أخوة مع نصفكم الآخر الذي أبدناه في العهد العثماني.
هذا الاقتراح، بغض النظر عن استهتاره التام بالكرامة الوطنية الأرمنية لا يبدو حتى قريباً من أي من المساومات التي تجري في أي بازار تركي شرقي. في الواقع، يبدو الاقتراح وكأنه أمنية خفية للمضي في سياسات قديمة بعقلية لا تخلو من محو الآخر.
قبل شهر واحد صوت برلمان دولة السويد، والتي يسكن فيها لا أكثر من عشرة ألاف أرمني بقرار الاعتراف بالإبادة الأرمنية. كانت الرسالة واضحة: الإبادة الأرمنية (والإبادات الأخرى في التاريخ البشري) حقيقة لا يمكن تناسيها. إنها أصبحت قضية غير الأرمن كذلك.
وبمحاولة يائسة لزعزعة الشتات الأرمني والتظاهر بأن جهود التطبيع الأرمنية – التركية تمضي على أحسن وجه، أوعزت تركيا دبلوماسييها للبدء في التواصل مع أرمن الشتات من أجل توضيح مواقف تركيا (الرسمية). هذه الخطوة في الحقيقة عديمة النفع لأنها تستهدف فقط، ولأغراض دعائية بحتة، إظهار تركيا كدولة ودودة لا تتواني عن مد يد الصداقة إلى كل طرف بمن فيهم أرمن الشتات "الأشرار".
وكما أشار الرئيس سيرج ساركيسيان، فإن المسؤولين الأتراك لم يهدروا فرصة واحدة لربط عملية التطبيع بين تركيا وأرمينيا بقضية كاراباغ الجبلية وهي قضية لم يرد ذكرها في البروتوكولين الموقعين، كما أنهم أرادوا أن يتصرفوا وكأن البروتوكولين يتضمنان بنداً يحتم وقف جهود إقرار الإبادة الأرمنية، وهو شرط آخر ابتدعه الأتراك ولكنه غير موجود في البروتوكولين اللذين يحملان توقيع وزير خارجيتهم.
بل حتى في هذه اللحظة عندما قامت أرمينيا بتعليق التطبيع فإن رئيس وزراء تركيا أردوغان لم يهدر الفرصة مرة جديدة لإضافة مسحة دعائية على كلامه مدعياً بأن بلاده مستمرة في التزامها تحقيق الأهداف التي تضمنها البروتوكولين الموقعين مع أرمينيا. وبالتحديد قال: "وكما قلنا في مرات عديدة سابقة، نحن أوفياء إلى البروتوكولين ولمضمونهما ولروحهما وكذلك لتطبيقهما" (وكالة أنباء الأناضول). ولكن أردوغان تقاعس عن ذكر عدد المرات التي قام خلالها هو وأعضاء آخرون في حكومته بترديد شروط غير موجودة أصلاً في البروتوكولين. فهل هذه مؤشرات بأن تركيا وفية تجاه البروتوكولين؟
تركبا لم تكن وفية تجاه البروتوكولين ولم تكن مستعدة لتطبيع العلاقات مع أرمينيا. وكان هذا واضحاً للأرمن قبل فترة طويلة. الفارق الآن أن العالم كله بات يعرف ذلك.
الصورة: مسيرة ليلية في يريفان في ذكرى الشهداء. |