|
هراج كل سحاكيان
قبل أسبوعين وبالتحديد في 7 مارس 2010 كتب سعد محيو الصحفي في جريدة "الخليج" التي تصدر في الشارقة مقالاً تناول فيه موضوع تبني لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي مشروع قرار يتعلق بالإبادة الجماعية الأرمنية، أراد من خلاله أن يصل إلى نتيجة واحدة مفادها أن اللوبي الصهيوني كان وراء اعتماد القرار الآنف الذكر. ومن الأفكار التي طرحها:
- اسرائيل انتقمت من تركيا عبر توظيف الورقة الأرمنية واستخدام الكونجرس الأمريكي.
- رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي والنواب الذين صوّتوا معه، فعلوا ذلك بناء على أوامر واضحة ومباشرة من إسرائيل، التي قررت معاقبة تركيا بعنف.
- جاء العقاب لأن حكومة أردوغان أزعجت تل أبيب كثيراً حين اتهمتها بشن حرب إبادة ضد الفلسطينيين في العام 2008 فردت هذه الأخيرة التحية بأفضل منها عبر اتهامها في الكونجرس بإبادة الأرمن قبل مائة عام.
- السبب الثاني للعقاب أن تل أبيب منزعجة للغاية أيضاً من صعود تركيا السريع إلى قمرة القيادة العالمية.
- سبب ثالث للعقاب هو أن تل أبيب ذُعرت من قرار إدارة أوباما اعتماد الديمقراطية الإسلامية التركية كنموذج لكل من العالمين العربي والإسلامي، واعتبرت ذلك تهديداً إيديولوجياً واستراتيجياً مباشراً لسيطرتها على الشرق الأوسط.
- اسرائيل أطلقت مدافع الكونجرس باتجاه أنقرة، وهي تستعد لتصعيد القصف من هناك من الآن وحتى نهاية العام، في حال لم ترضخ هذه الأخيرة لشروطها.
- اسرائيل نسفت بشطحة قلم كل استراتيجية أوباما لمد اليد إلى العالم الإسلامي وحوّلتها إلى ركام.
وتمكن الصحفي محيو من حشر كل هذه الأفكار في صدد حديثه عن الأرمن دون أن يقول كلمة واحدة عن الجانب التاريخي للإبادة الأرمنية. ولم يجد صعوبة للوصول إلى استنتاجه بأن "ليس هناك لا في الشرق الأوسط ولا في العالم الإسلامي سياسة خارجية أمريكية. هناك فقط سياسة إسرائيلية يهودية تُنفذّها أمريكا."
ولكي يضفي مسحة من الدراما على كلامه أضاف: "ولماذا تسكت أمريكا، الدولة العظمى الوحيدة في العالم، على تهميشها على هذا النحو من قِبَل دولة صغيرة مثل إسرائيل؟"
منذ أكثر من عقدين وتركيا تستعين باللوبي الصهيوني في محاربة الاعتراف الأميركي بالإبادة الأرمنية، وما حصل مؤخراً سوى أن بعض أعضاء هذا اللوبي التزموا الحياد تجاه الموضوع الأرمني (وهذا الموقف قد يتغير لصالح تركيا نظراً لعدم انتهاء العلاقة التركية الاسرائيلية). أين كان السيد محيو المحترم عندما كانت تركيا تعتمد على اللوبي الصهيوني لإبطال الحق الأرمني؟
يجب أن نذكر هنا بأن أعضاء لجنة الكونجرس الذين صوتوا ضد القرار هذا العام لم يكن معظمهم ضد الاعتراف بالإبادة الأرمنية وإنما كانوا ضد إدراجه في جدول أعمال السياسة الخارجية الأمريكية لأسباب تتعلق بالإمدادات الأمريكية في العراق وأفغانستان والتي تصل عبر تركيا (وهذا فرق كبير لم يره محيو لأن اهتمامه كان منصباً في اتجاه مغاير).
يقول السيد محيو بأن اسرائيل قامت بتوظيف الورقة الأرمنية، ولا يرى بأن ما يقوم به هو ليس سوى توظيف من نوع آخر.
بعد خمسة أيام من مقال السيد محيو جاء البرلمان السويدي ليعترف بالإبادة الأرمنية. وها هي مناسبة جديدة تبرز أمام محيو لاستعراض مهاراته التحليلية. ويمكن لنا أن نمده ببعض الأفكار، فعلى سبيل المثال تم اعتماد القرار بفارق صوت واحد يعود إلى نائب سويدي من أصل كردي بالإضافة إلى وجود نواب من أصول سريانية في اللائحة التي صوتت لصالح القرار. يستطيع السيد محيو الآن أن يطلق العنان لخياله بالحديث عن دور اللوبي الكردي أو السرياني في استصدار القرار المذكور.
في العدد 20 مارس 2010 من جريدة "المستقبل" الصادرة من بيروت، هناك مقال عن القضية الأرمنية بقلم الكاتب التركي جنكيز تشاندر يتطرق فيه الكاتب إلى تصريحات أردوغان الأخيرة بخصوص تهديده بترحيل 100 ألف أرمني يعيشون بصورة غير شرعية في تركيا فيقول:
"هذه التطورات، وبدلا من أن تنهي ادعاءات الإبادة الجماعية في الخارج، أدت الى احتدام النقاش حول مواجهة التاريخ داخل الساحة السياسية المحلية. وتصاعدت أصوات لا بأس بعددها تتساءل لماذا وكيف يمكن لحكومة اردوغان أن تتقاسم الخطايا التي ارتكبتها حكومة الاتحاد والترقي خلال سنوات الحرب العالمية الأولى. انه جدل مثير جدا للاهتمام لأنه يفترض بحكومة اردوغان أن تناضل ضد التوسع الحالي لإيديولوجيا وعقلية وممارسات حزب الاتحاد والترقي المتمثلة في طائفة واسعة ممتدة من القطاع العسكري الى البيروقراطية، من القضاء الى وسائل الإعلام الكمالية،الخ."
نقرأ الكلام الصادر عن الكاتب التركي ونلاحظ العمق في التحليل، مقارنة بالسطحية المبتذلة لكلمات السيد محيو ونتساءل: هل القارئ العربي لا يستحق نصيب نظيره التركي الذي أصبح قادراً الآن على تناول مواضيع حساسة تتعلق بالأرمن؟ هل يجب أن يبقى العربي جاهلاً ومسيراً حتى يصبح من آخر المدافعين عن حقوق الشعوب (ومنهم الشعب الأرمني) ومن ثم ينبري مستغرباً عن غياب التضامن العالمي تجاه قضاياه.
يبدو أن الوقت لن يكون بعيداً عندما سيتعلم محيو وأمثاله أهمية الكلمة من كتّاب مثل جنكيز تشاندر التركي. ذلك أفضل بلا شك من متابعة المسلسلات التركية المدبلجة. |