|
اضغط هنا لمطالعة الكتاب الذي يضم السيرة الذاتية التي تخص أسرة مقديسيان الأرمنية بقلم الكاتب الأرمني السوري آرا سوفاليان (196 صفحة، حجم 3,5 ميجابايت، صيغة PDF)
مقتطفات من الكتاب
في خريف العام 1978 وفي رحلة عائلية جمعت ما تضمنته اربعة سيارت اثنتان منها تجمعنا وأصحابها صلة قرابة والرابعة وتجمعنا وصاحبها وأسرته صلة صداقة ومحبة، وهو السيد فاروجان مقديسيان صديق والدي، وزوجته آراكسيا مقديسيان وأولاده و... وأمه، الجدة مقديسيان.
والسيد فاروجان هو صديق حميم لوالدي ويشترك معه ومع اخوتي في هواية لا أحبها بالمطلق وهي هواية الصيد، وكنت أذهب معهم أثناء ممارستهم لهذه الهواية مكتفياً بجلوسي خلف المقود، دون أن أخفي مشاعري عن طريق توصيف هذه الهواية بأنها غير إنسانية بالمطلق دون أن يهتم لي أحد.
شاء الله ان يفارقنا والدي في 13 أيار 1977 واختار السيد فاروجان وعائلته أن تبقى المحبة بين العائلتين فكان يزورنا مع زوجته آراكسيا وأولاده ويخرج للصيد مع اخوتي الى ان تم ترتيب رحلة عائلية متضمنة رحلة صيد الى منطقة قيسا وعبّادة في أطراف غوطة دمشق.
وحدثت مفاجأة غير متوقعة فلقد اصطحب السيد فاروجان والدته وهي سيدة في أواسط الثمانينات من العمر، لم أراها من قبل، ولم أسمع عنها، ولم يتحدث عنها أحد أمامي.
أفرد الابن أريكة متطرفة أجلس والدته عليها ودثرها بمعطفه الجلدي وكان يحنو عليها وتتولى زوجته تقديم الطعام لها.
اقتربت من العجوز ومددت يدي بالتحية فلم ترفع يدها، وأقرأتها السلام فلم ترد، وجلست قربها على الأرض لأحدثها فلم تحدثني، نظرت في عيناها المتعبتين، فكانت تنظر الى الأفق بنظرة لا معنى لها، وملامح هادئة ولكن قلقة، لا يمكن تفسيرها، صمت وذهول ولا شيء آخر.
قلت للسيد فاروج... عمّاه... هل هذه أمك؟... قال نعم... قلت له ما بها؟ ... قال: مريضة، قلت له ما هو مرضها؟ قال: مرض قديم وقد عاودها الآن...كآبة شديدة... ومضاعفات نفسية واحساس دائم بالرعب والخوف والهلع وكوابيس وأحلام وهروب وترحال وصراخ في الليل، هذا المرض النفسي هو رهاب يتحول فيه المريض الضحية الى سجين... قلت: سجين أي شيء؟ أجاب: سجين الماضي... سألته: أي ماضي؟... قال لي: تعال لأحدثك.
أبي وأمي من لواء اسكندرون بعد العام 1921 ومن سكان دورت يول قبله ... هل تعرف لواء اسكندرون؟... قلت له ومن لا يعرف لواء اسكندرون... اللواء السليب... هدية ممن لا يملك وهو الاستعمار الفرنسي الغاشم الى من لا يستحق وهو النظام الذي ورث الاستعمار العثماني السابق في أواخر الثلاثينات من القرن المنصرم، والمسألة برمتها كانت صفقة سياسية ذهب ضحيتها أبناء اللواء السليب ومواطنيهم من جموع السوريين وفيهم عدد لا يستهان به من الأرمن، تم تهجيرهم مرة أخرى فقصدوا ومن كان معهم سوريا وهي البلد صاحبة اللواء الذي حافظ على عروبته وأصالته منذ الفتح العثماني حتى يوم الكارثة، عندما وجد جموع المهجَّرين أنفسهم في العراء يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، وتركوا خلفهم جنة الله على الأرض، وتوزعوا في حلب وفي مناطق الساحل السوري وخاصة كسب وما حولها التي كانت ستضيع أيضاً لولا وجود بعض الضباط الأرمن في الجيش الفرنسي، الذين تصدوا لهذه المهزلة وحالوا دون استمرارها، ولفتوا نظر قيادتهم والمندوب السامي الفرنسي إلى أن الاستمرار في منح المزيد من الأراضي ال سورية للأتراك سيؤدي الى وقوع من بقي من الأرمن في أيد جلاديهم، فتوقف الشطط الفرنسي عند حدود اللواء وضاع اللواء، وتبدَّل اسمه، وتبدلت اللغة المتداولة فيه بعد احلال سكان جدد لم يألفهم اللواء ولم يعرفوه من قبل، كما حدث في ماردين التي لم تعرف من قبل لغة متداولة في جنباتها غير اللغة العربية، لتتحول اللغة العربية بعد ضياع ماردين وتهجير ابنائها الى لغة أعجمية لا يعرفها إلاّ بعض الرهبان من الطائفة السريانية الذين تم نقلهم الى دير الزعفران من سوريا .
نعم نعم ... ماردين ضاعت في العام 1915 وهي البلدة التي ينحدر منها جدك والد أمك وكان والدك رحمه الله يقول لي أن جدك أرمني الأصل ضاع في الحرب وربته أسرة ماردينية، أما اللواء السليب فلقد ضاع في العام1939 وكان عمري وقتذاك 6 سنين وأنا أصغر من والدك رحمه الله بسنة واحدة... أما ما سأحدثك عنه الآن فسيبدأ في دورت يول حتى العام 1915 مروراً بلواء اسكندرون حتى 23 تموز يوليو من العام 1939 مروراً بحلب الشهباء حتى العام 1956ثم الى دمشق برّ الأمان. |