ما رأيك

 

 

البحث في الأخبار:
 

البحث في المقالات:
 

البحث في المنوعات:
 

 

 
 
 
 
 :. المقالات
   

الأقسام:

 

 :: الإبادة الأرمنية
المجزرة الأرمنية... كابوس يقضّ مضجع الأتراك!

2010-04-23 12:15:17

ضحايا الإبادة الأرمنيةميليسا بنجامين بيدر، دانيال شتاينفورث، وبرنهارد زاند

دير شبيغل

 

تمرّ اليوم الذكرى الخامسة والتسعون لبداية المذبحة الأرمنية. يُظهر فيلم وثائقي مميز الدافعَ وراء عمليات القتل هذه، وما جعل ألمانيا ودولاً أخرى تلزم حيالها الصمت.

 

تبلغ ديكرانوهي أسارتيان المئة هذا الأسبوع. قبل سنتين، وضعت سكاكينها وملاعقها جانباً، عندما فقدت حاسة الذوق. وتوقفت السنة الماضية عن ارتداء النظارات لأنها خسرت بصرها تماماً. تعيش أسارتيان في الطابق السابع من مبنى مرتفع جداً في العاصمة الأرمينية يريفان. لم تغادر غرفتها منذ أشهر، وكانت ترتعش كلما اخترق البرد الغطاء الصوفي الملقى على حرجها. تقول: (أنتظر الموت).

 

قبل 92 سنة، كانت تنتظر في قرية على الجانب التركي من الحدود اليوم. كانت أسارتيان مختبئة في قبو أحد المنازل. وفي الشارع كانت جثة صبي أرمني ضُرب حتى الموت ممدّدة أرضاً. أما في المنزل المجاور فتعرضت النساء للاغتصاب. وسمعت بنت الثمانية أعوام صراخهن. تخبر أسارتيان: (بين الأتراك الطيب والشرير}. فقد ضرب الأتراك الأشرار الصبي حتى فارق الحياة. أما الأتراك الطيبون، فساعدوها هي وعائلتها على الهرب وراء الجنود الروس المنسحبين.

 

أفيديس ديمرجي مزارع في السابعة والتسعين من عمره. وإذا وجدنا مَن يحتفظ بسجلات توثق وجود الأرمن في تركيا، فسيُخبرنا على الأرجح أن ديمرجي آخر أرمني في هذا البلد نجا من المذبحة. ينظر هذا العجوز من نافذة منزله في قرية فاكيفلي إلى نبات الدفلى وأشجار اليوسفي التي أزهرت. وفي البعيد، يظهر البحر الأبيض المتوسط عند سفح الجبل.

 

في شهر يوليو (تموز) عام 1915، سارت وحدات الشرطة التركية إلى القرية. يخبر ديمرجي: (ربطني والدي إلى ظهره حين فررنا. هذا ما أخبرني به والداي). حمل أهل هذه القرية، وست قرى أخرى بنادق الصيد والمسدسات واختبأوا في موسى داغ، أو جبل موسى. وبعد 18 سنة، وصف الكاتب النمساوي فرانز ورفل مقاومة القرويين المسلحة في روايته "الأيام الأربعون لجبل موسى" (The Forty Days of Musa Dagh).

 

يؤكد ديمرجي: (هذه الرواية حقيقية. لقد عشتها، حتى لو أنني لا أتذكر إلا ما أخبروني به).

 

تفادي العبارة

 

باستثناء كتاب ورفل والمنظر الذي يطالع زوار النصب التذكاري عند تلة دزيزيرناكابيرت قرب يريفان، منظر جبل آرارات المكلل أبداًَ بالثلوج والبعيد عن متناول الأرمن، بدأ ما يُذكر بالمذبحة الأرمنية يختفي تدريجاً مع اقتراب آخر الناجين منها من الموت.

 

بين العامين 1915 و1918، قُتل 800 ألف إلى 1.5 مليون شخص في ما يُعرف اليوم بشرق تركيا، أو لقوا حتفهم في مسيرات الموت في الصحراء السورية الشمالية. شكّلت هذه إحدى أولى الإبادات الجماعية في القرن العشرين. أما الإبادات الأخرى التي وقعت بعد المذبحة الأرمنية وحتى يومنا هذا، فتشمل مذبحة اليهود الأوروبيين ومجازر كمبوديا ورواندا.

 

بعد أن عانى الشعب الأرمني إبادة واسعة النطاق، شُرّد في مختلف أصقاع العالم ليُرغم لاحقاً على العودة إلى بلد ما زال معزولاً إلى اليوم. لذلك، استغرق تقبله هذه الكارثة عقوداً. فقد انتظر الأرمن حتى ستينيات القرن العشرين كي يقيموا نصباً تذكارياً. ولم يتجرأوا على ذلك إلا بعد مناقشات طويلة مع القيادة في موسكو.

 

لكن تركيا، التي ارتُكبت هذه الجرائم على أرضها، لا تزال تُنكر أعمال القيادة العثمانية. كذلك لم يكن في مصلحة ألمانيا (حليفة الإمبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى) والاتحاد السوفياتي (كان ميالاً إلى الجمهورية التركية الفتية) تسليط الضوء على هذه الإبادة.

 

لا تزال ألمانيا اليوم تتجنب الإقرار رسمياً بالإبادة الأرمنية. ففي عام 2005، دعا البرلمان الألماني، البوندستاغ، تركيا إلى الإقرار بـ(مسؤوليتها التاريخية)، إلا أنه تفادى استعمال عبارة (إبادة جماعية).

 

نظراً إلى أهمية أنقرة السياسية والاستراتيجية خلال الحرب الباردة، لم يعتبر حلفاؤها الغربيون خوض جدل بشأن الإبادة الجماعية تصرفاً مناسباً. وبسبب النقص في صور وأفلام عن هذه الإبادة (مقارنة بالمحرقة النازية والإبادات الجماعية اللاحقة)، صعُب التحقق من الكارثة الأرمنية أو القبول بها. يوضح معدّ الأفلام الوثائقية الألماني إريك فريدلر (The Silence of the Quandts): ظهرت وسائل الإعلام الحديثة بعد 20 سنة من هذه الإبادة.

 

ثمة شهود معاصرون، ألمان وأميركيون خصوصاً، وما زالت رواياتهم ومراسلاتهم محفوظة في الأرشيف، ولم يتسنَّ إلا للخبراء الاطلاع عليها ودرسها. لكن اليوم، بمناسبة الذكرى الخامسة والتسعين للإبادة الأرمنية، ستعرض شبكة ARD التلفزيونية الألمانية فيلماً وثائقياً أعدّ بعناية بعنوان Aghet كلمة أرمنية تعني الكارثة، وقد بث الحياة في كلمات الدبلوماسيين والمهندسين والمرسلين.

 

تردد مجموعة من 23 ممثلاً ألمانياً النصوص الأصلية. لا يتّبع Aghet أسلوب الأفلام الوثائقية التمثيلية، التي يُعاد معها تمثيل الأحداث باستخدام حوار متخيَّل إلى حد ما وممثلين يرتدون ملابس تاريخية.

 

يحتوي الفيلم على مقابلات تستمد مصداقيتها من عدد من النصوص والطريقة التي تُعرض بها، لا من المبالغة في تصوير التاريخ.

 

وثائق دوّنها شهود عيان

 

في بداية الفيلم نرى الممثل والكاتب هانز زيشلر، الذي شارك في فيلم المخرج فيم فندرز "ملوك الطريق" (Im Lauf der Zeit)  عام 1976. يقرأ زيشلر كلمات ليسلي ديفيس، الذي ظلّ حتى عام 1917 القنصل الأميركي في مدينة هاربوت في منطقة الأناضول. في هذه المدينة، جُمع آلاف الأرمن معاً، ثم أرسلوا في إحدى مسيرات الموت باتجاه الجنوب الشرقي.

 

كتب ديفيس: (يوم السبت الواقع فيه 28 يونيو جزيران، أُعلن أن على الأرمن والأشوريين المغادرة بعد خمسة أيام. لن يتمكن مَن لا يعرف الظروف الفريدة الخاصة بهذه المنطقة المعزولة من فهم المعنى الكامل لأمر مماثل. صحيح أن كلمة مجزرة تحمل معاني مروعة كثيرة، إلا أنها تبدو ملطفة مقارنة بما حدث).

 

يؤدي فريدريخ فون سان، ممثل سينمائي وتلفزيوني ظهر في فيلم ستيفن سبيلبرغ  Schindler's List، دور السفير الأميركي هنري مورغنتاو. يصف هذا الأخير لقاءاته مع وزير الداخلية العثماني طلعت باشا، الذي أطلعه في بداية العملية على (قرار لا رجوع عنه) هدفه جعل الأرمن (عاجزين).

 

بعد الإبادة الجماعية، استدعى طلعت السفير الأميركي مجدداً وتقدّم منه بطلب وصفه مورغنتاو بأنه (الأكثر غرابةً على الإطلاق). أراد طلعت لائحة بأسماء العملاء الأرمن في شركتي التأمين الأميركيتين  New York Life Insurance و Equitable Life of New York ذكر طلعت أن الأرمن ماتوا ولا وريث لهم، لذا من حق الحكومة أن تستلم أي أموال عائدة لهم. يتابع مورغنتاو: (طبعاً، رفضت طلبه).

 

تروي الممثلتان مارتينا غيديك وكاترينا شوتلر مذكرات مرسلتين، إحداهما سويدية وأخرى سويسرية. أما هانا هيرسبرنغ ولودفيك تريبت فيخبران تجارب ناجيين من الإبادة. ويقرأ بيتر لوهماير مقاطع من يوميات القنصل الألماني ولهلم ليتن، التي تحتوي على أفظع روايات تلك الحقبة.

 

في 31 يناير (كانون الثاني) 1916، كان ليتن على الطريق بين دير الزور وتبني في سورية اليوم. في ذلك اليوم، كتب ما يلي في يومياته: (الواحدة والنصف بعد الظهر. على جانب الطريق الأيسر شابة عارية لا ترتدي إلا جرابين بنيين يغطيان قدميها، كانت ملقاة على وجهها ورأسها مدفون تحت ذراعيها المتشابكتين. 1:30 بعد الظهر. في خندق على جانب الطريق الأيمن، رجل مسن لحيته بيضاء، عار، ممدد على ظهره. على بعد خطوتين صبي عار ملقى على وجهه وقد انتزع ردفه الأيسر).

 

وما ضاهى هذه الأعمال برودة وقساوة رد مستشار الرايخ الألماني آنذاك، تيوبالت فون بتمان هولفيغ، على اقتراح السفير الألماني شجب حلفاء ألمانيا العثمانيين علناً بسبب هذه الجرائم. فقد ذكر هولفيغ: (هدفنا الوحيد إبقاء تركيا إلى جانبنا حتى انتهاء الحرب، سواء هلك الأرمن أو لا).

 

إساءات

 

يوضح الكاتب والمخرج فريدلر أن فيض الصور والأفلام الوثائقية التي جُمعت من أقسام الأرشيف في مختلف البلدان، وصولاً إلى موسكو وواشنطن، فاجأ المؤرخين الذين قدّموا له النصائح المحترفة. ويتضمن الفيلم (مدته 90 دقيقة) بعض الحوادث التي تُعرض للمرة الأولى على الشاشة، مثل المراسم الفاخرة لإعادة دفن رفات طلعت باشا في تركيا عام 1943، بعدما قُتل في برلين عام 1921. وتشير وثائق أخرى إلى أفراد لم يتنبه لهم القيمون على أقسام الأرشيف سابقاً.

 

علاوة على ذلك، يقدّم الفيلم وصفاً قاسياً للجدل القائم حول الإبادة الجماعية الذي بدأ يظهر راهناً في تركيا، بعد مرور قرن تقريباً على هذه الجرائم. يصر رئيس الوزراء، رجب طيب أردوغان، على أن تركيا لن تعترف يوماً بالإبادة. وخلال معرض عن أرمينيا، مزّق الوطنيون المتشددون بغضب الصور عن الجدران. ثم فقدوا صوابهم وهاجموا سيارة كانت تقلّ أورهان باموك، الحائز جائزة نوبل للأدب، بعد مثوله أمام المحكمة لأنه تجرأ وعبّر عما برهنه المؤرخون منذ زمن.

 

طوال عقود، قضّت هذه الإبادة الجماعية مضجع كل الأرمن الذين ولدوا بعدها. يقول هايك ديمويان، مدير النصب التذكاري الخاص بالإبادة في يريفان: (تشكل هذه المأساة أحد أعمدة هويتنا الوطنية). كذلك قال الرئيس الأرميني سيرج سركيسيان لشبيغل إن {إدانة هذه الفظائع بوضوح هي بالتأكيد الطريقة الفضلى للحؤول دون تكرارها).

 

أما جيل ما بعد الإبادة من الأتراك، فلم يشعر بأي وخز ضمير. فقد قطع مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية، روابط بلده كافة مع الإمبراطورية العثمانية والرجال الثلاثة الذين يتحملون الجزء الأكبر من المسؤولية، طلعت باشا وأنور باشا وجمال باشا. اعترف أتاتورك (بإساءات) ارتُكبت، إساءات ما زال مَن خلفه ينكرها حتى اليوم. لكنه سمح أيضاً لمسؤولين حكوميين وقادة عسكريين بالمشاركة في حكومته، مع أنهم كانوا متورطين مباشرة في الإبادة الجماعية.

 

ذاكرة حيّة منسيّة

 

استيقظَت اليوم أشباح الماضي بسبب الضغوط التي يمارسها الأرمن في الشتات. فكل ربيع، قبيل ذكرى توقيف السياسيين والمفكرين الأرمن في 24 أبريل (نيسان) في ما عُرف آنذاك بالأستانة، توقيف وسم بداية حملات التهجير عام 1915، يتبنى مزيد من البرلمانات الوطنية قرارات تعترف بالإبادة الأرمنية: فرنسا عام 2001، سويسرا عام 2003، وهذه السنة لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي والبرلمان السويدي.

 

وكلما مُرر قرار مماثل، توعدت أنقرة بعواقب سياسية، إلا أنها لم تُنفذ يوماً تهديدها. وأصبح تصرفها هذا عرفاً أو تقليداً تساءل كثر، أمثال هرانت دينك، عن جدواه. لم يتوقف ناشر الصحيفة التركية الأرمنية آغوس عند تعريف مصطلح {إبادة جماعية}، إنما دعا تركيا إلى مواجهة ماضيها المقزز مباشرة.

 

لكنه دفع حياته ثمن آرائه. ففي 19 يناير (كاون الثاني) عام 2007، قُتل دينك في وضح النهار. ولا شك في أن المئتي ألف تركي، الذين ساروا في شوارع إسطنبول خلال جنازته، وهم يحملون لافتات كُتب عليها: (كلنا أرمن)، أذلوا حكومتهم بصراحتهم. ويبدو أن الحقيقة التي يواجهها آلاف الأتراك داخل عائلاتهم كان لها وقع أكبر من الضغوط الدبلوماسية.

 

في مطلع ثمانينات القرن العشرين، اكتشفت المحامية فتحية جتين من إسطنبول أنها تملك أصولاً أرمنية. أخبرتها جدتها سحر هذا السر بعد عقود من العذاب. ففي عام 1915، شهدت سحر، التي أُعطيت الاسم الأرمني هيرانوش عند المعمودية، ذبح رجال قريتها. لكنها نجت، فتبنتها عائلة ضابط تركي وربتها كفتاة مسلمة، وتزوجت في النهاية بتركي. هكذا أصبحت واحدة من عشرات آلاف (الأرمن المخبّئين)، الذين نجوا من عمليات القتل واندمجوا في المجتمع التركي.

 

شكّل ما أخبرتها به جدتها صدمة لها، وفجأة بدأت جتين ترى محيطها من منظار مختلف. وفي عام 2004، وضعت كتاباً بعنوان جدتي Anneannem ضمنته تاريخ عائلتها، وحقق الكتاب أعلى المبيعات. كذلك اتصل قراء كثر بجتين، وأعرب لها عدد كبير منهم عن امتنانه. صحيح أن آخرين شتموها واعتبروها (خائنة)، إلا أن جدار الصمت كان قد سقط.

 

المصدر: الجريدة، الكويت، 23 أبريل 2010

http://www.aljarida.com/aljarida/Article.aspx?id=156604

 

الصفحة كما وردت في الصحيفة:

 

 

   
 أرسل تعليقك

عدد القراءات:1441

 
التعليقات المرسلة:
لا توجد تعليقات

الحقوق محفوظة آزاد - هاي© 2009-2003  - تصميم و برمجة Shift2Web